السبت، 12 مايو 2012

ضحية الرقم 194

الطريق كما كل يوم ... مطبات تملأ الشارع على هوى من يسكنه ... وبلدية ما زالت تدرس الجدوى الاقتصادية من أغلاق حفرة في الشارع تساقطت بها السيارات مرارا على مدى الشهران الاخيران كما يسقط الذباب في المستنقع ... , الحاجز ..يطل علينا بأطلاله مذكرا بما مضى ... لا يتواجد الجنود عليه ولكن ما اكثرهم حوله .. هو يذكرك بملايين الثواني التي قضاها الناس محاولين اجتيازه , وهم يذكرونك بوجودهم وكأنهم يقولون لك (خود فطيرك) الجناديل ملأت الشارع كما يملؤه اطفال عائدين من مدارسهم  ... تحاول جاهدا الا تنظر فترى سجونهم حتى لا تتمزق داخليا على من في الداخل ...تتجرد من احاسييك وتتخيل نفسك زائرا لاحدى الدول فالمكان لا يخصك .... تسير محاولا اشغال نفسك بما يقال في الراديو ... يشدك احدهم حين يشكو لمقدم البرنامج عن الحاوية الي باب بيتو .. ويكرر كلمة مكره صحية ... وكأن مكاره فلسطين الصحية كلها قد ازيلت ولم يبقى الا مكرهة باب بيتو ... تغلق الراديو كمن يلعن اخت دبانة ... وتكمل الطريق محاولا التفاهم مع نفسك ان من يسير حولك في السيارات ليسو الا بعض الزائرين والسياح, وهم يحبونك وجاؤوا هنا للتفرج على جمال بلدك وجمال تلالها وجبالها .... تشمطك الفكرة كف معلنتا غبائك ..., انت تعرف ما يريدون وما يفعلون ... شتت ذهني ذلك الصوت المنادي خلفي واك واك ... نظرت فأذا هم البلوشت " الشرطه " نزل الشرطي بجسمه الفارع من باب السيارة ومشى نحوي... فعلا واثق الخطوة يمشي ملكا ... ضحكت له محاولا نزع تلك التكشيرة التي علت خلقتة فلم افلح .. قلت" بوكر توف" وتعني صباح الخير بالعبرية وهي من الكلمات القليلة التي حفظتها صغيرا اثناء متابعتي لأفلام الكرتون على التلفزيون الاسرائيلي ... فلم افلح اشار باصبعة الى شباك السيارة فادركت ما الفلم ... ابني وضع علما على شباك المركبة ونسيت ازالته ....  قال بعربية مطبشة : انتا بتعرف انو هاد ممنوء .... اجبته محاولا استغباء نفسي : شو هو الي ممنوع , اجابني مقربا فمة من وجهي... العلم .... دبت الوطنية فجأة في داخلي وقلت له : ليش ؟ اليهود بحطو علام اسرائيل على سياراتهم كمان ....وكنت بتلك الاجابة قد قطعت اخر امل لي بأن لا احصل على مخالفة ....فقال لي ببرود موسكو التي يبدو انه ابواه منها : هات وراق سيارة ... لاح لي ما فعلت وبدأت نفسي تحدثني بمدى رعونتها ... بحثت عن الاوراق واعطيته اياها ...مشى بعيدا بجسدة الطويل وجلس في سيارته ... فتحت الراديو محاولا اضاعة الوقت والتظاهر ان الوضع طبيعي ولكن لم اجد محطة عربية فمعظم المحطات تتحدث العبرية التي اجهلها انا ومعظم الناس والسبب اننا لا نريد التطبيع " وكأن اليهود سائلين " ... دق فجأة على شباك المركبة وقال خود ....اخدت ويا هول مارأيت 1000 شيقل قيمة المخالفة .... لعنت اب ابني ملايين المرات في تلك الدقيقة ثم لعنت نفسي وبطولتها المفاجئه .... ثم صبرت نفسي وقلت ان الله يبتليني ليرى صبري , وبالمال ولا بالعيال ذهب هو وذهبت انا وبقي العلم يرفرف ... كان على قفا العلم رقم 194 وكان هذا العلم قد درج مؤخرا محاولا اثارة قضية انضمام فلسطين في الامم المتحدة كعضو ... وهي معركة دبلوماسية ما لبثت ان انطفأت .... ولم ينطفأ جرح ال1000 شيكل الذين سأدفعه وانا أرنب ....... مشيت محاولا اطفاء بركان الغضب في داخلي ...كم تمنيت ان اصرخ بوجهة واقول لا ... فقط لا ... ولكن يبدو ان كمية الهزائم التي تعرض لها العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص قد اورثتنا جينات مهجنة ... تجعلنا ثنائيي السلوك ... فنعربد ونصيح ونقاتل ولكن فقط قبل المخصوم اما بعدة فنحن كائنات اشبة ما نكون بكهنة بوذيين لا يؤذون ذبابة ...وصلت رام الله بعمارتها العالية وقططها المدللة التي تسيير بقرب اصحابها بهدوء ... غريبة هي كمية التناقضات في بضعة كيلو مترات   قطع فجأة تأملاتي صوت يشبة صوت سيارة الشرطة الاسرائيلية ولكنها كانت هذة المرة فلسطينية .... اوقفت السيارة ونزل الشرطي ...كنت مستعدا لافرغ جام غضبي علية فهو منا وفينا وسيظن انني مدعوم وظهري مسنود اذا صرخت علية ... ولكن عندما اقترب خجلت من نفسي كيف قبل عشرين دقيقة كنت كالارنب مع الشرطي الاسرائيلي ولماذا استرجل علية فهو ابن بلدي وربما فقط يريد تنبيهي لشيء ... استقبلتة بابتسامة فباغتني مشهرا جهاز غريب في وجهي اشبه بالمسدس مع رقم 71 علية وقال " سرعتك عرادار 71 كم " لم استوعب ما قال لأنه غادر وتقدم شرطي اخر مطالبا بأوراق السيارة اعطيتة اياها فأبتعد ايضا , كنت اظنة يريد مقارنتها مع اللوحات ولكنة قال لي " عندك مخالفة سرعة " وقبل ان انطق بأي حرف توجه الى دراجتة وبدأ يكتب وعاد جالبا معه ورقة محكمة تقول ان علي ان ادفع 300 شيكل " فقدت اعصابي ... ولم اعد اعرف ماذا اقول كنت فقط اسمع صوتي وارى اللعاب والشرار يتطاير من فمي ... ولكن كان هناك خيط رفيع من الوعي يمنعني من السباب ... اجتمع الشرطة وبدأت انوح واشكي ... هسا خالفوني اليهود 1000 شيكل الله اكبر ... ولكو من وين اجيب .....واستمر الجدال ... ان السرعة هنا اربيعن كم فقط ...وانا اقول كيف ستسير مركبة نزولا على سرعة 40 فتسارعها الطبيعي سيكون ستين كم .. فرد احدهم استعمل الفرامل ...... واصبح وجهي احمر واحسست اني سانفجر ... ثم قال احدهم بكل بساطة " ليش ما حكيت كان سامحناك , هسا صعب نمحي المخالفة صارت مكتوبة " ................... صمت كثيرا , نعم كل كان علي ان انوح سابقا وانوح واشكي وابكي واصرخ وان لا استحي من نفسي فالوضع هون ماشي هيك , لا وجود للمنطق ولا وجود للسببية , لماذا علي ان اقول ؟؟؟  الا تعرفون انني لا املك لأدفع ؟؟ الا يبدو على سيارتي الثمانينية انني طفران ...؟؟؟؟ الا يبدو من العرق على وجهي ان ليس فيها مكيف ؟؟؟؟ سيارتي اصلا لا تصل لسرعة 70 كم ....لماذا لا تسألوا هذا الرجل داخل السيارة الرباعية الدفع من اين جلب ثمنها ؟؟؟ لماذا لا تسألون صاحب المشروع المجاور كيف تحول من شفير باص الى رجل اعمال في 3 سنوات ؟ ولماذا ولماذا ؟ عدت الى بيتي ومازالت الاسئلة في رأسي .... لماذا ولماذا ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق